على بالي

أتَوا من كلّ حَدبٍ وصَوب. الكثير منهم لم يصلوا إلى المكان. خيّموا على أطرافه وانتظروا. المشهد كان استثنائيّاً ودراميّاً. هم كانوا يدفنون زعيمهم الاستثنائي ويدفنون معه بعضَ أحلامهم، ويعلّمون بدايةَ مرحلة جديدة مخيفة؛ لأنّها مجهولة لديهم. اعتادوا على المشهد نفسه وعلى عزّة القوّة لأكثر من عشرين عاماً.
لم يتهدّم كلّ شيء، لكنّ الضربة كانت هائلة والإصابات بليغة. أصرّت محطّات السعودية والإمارات أنّ الطقس سيحُول دون تدفّق الجماهير. توقّعوا عواصف ثلجيّة وأعاصير. البرد القارس لم يكن حائلاً. أتَوا مزنّرين بالرغبة الشديدة لمعايشة هذه اللّحظة.
هي مثل لحظة وفاة عبد الناصر: تعلَم أنّك تدخل إلى المجهول فيها. علّق كثيرون الآمال على أنور السادات: لم يدافع عنه عندما بدأ ينحرف أكثر من الناصريّين اللّبنانيّين المتحمّسين (وكمال جنبلاط).
انهار كلّ شيء في مصر والعالم العربي بعد رحيل عبد الناصر. خمس سنوات كانت كافية لرسْم معالم ثقافة سياسيّة وشعبيّة جديدة في مصر. ولكنّ الأمر ليس نفسه في لبنان: القيادة على العهد، وهي تكرّر ذلك.
إيران تبدو مرتبكة وحماستها غير ما كان عليه قبل سنوات قليلة. لكنّ الحشد الأكبر في تاريخ لبنان ذكّر مَن كان يحتاج إلى تذكير (وخصوصاً قطبَي العهد الجديد): أنّ الحزب ما زال هو الأكبر في لبنان، وفي كلّ العالم العربي.
كيف تنسف من المعادلة أكبر حزب في كلّ العالم العربي؟ التعويل على الجيش- الذي ما إن يتلقّى سلاحاً من المقاومة حتى يدمّره بالكامل- (ألم يكونوا يقولون لنا: فليسلّم الحزب السلاح للجيش وهو يقوم بعبء المقاومة؟) نصر الله لن يغيب عن المشهد كليّاً.
ترك وراءه مئات من الخُطب المسجّلة، كما ترك وراءه جيشاً عرمرميّاً. وعامل الانتقام سيكون أقوى المؤثّرات في المرحلة القادمة عندما يبني الحزب نفسه.
الحزب يستطيع أن ينهض لو أنّه قطع مع الكثير مِن معالم المرحلة الماضية وما شابها من استرخاء وتراخٍ وانفلاش. لو أنّ المشهد اليوم كان احتفالاً بالأجندة الأميركيّة، لكانت محطّات الإعلام العالمية قد نوّهت بالملايين. لكنْ هؤلاء جمهور المقاومة، ولذلك هو يُعدّ فقط بـ «عشرات الآلاف».
